المقريزي
مقدمة 46
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وفي مصر كان جامع عمرو « الجامع العتيق » والمساجد الجامعة التي أنشئت بعده ، وعلى الأخصّ جامعا ابن طولون والأزهر ، مراكز حلقات العلم ومجالسه ، وأطلق المقريزي - نقلا عن ابن المتوّج - على مواضع التّدريس بالجامع العتيق اسم « الزّوايا » ، وأقدمها « زاوية الإمام الشّافعي » ، وهي الموضع الذي كان يدرّس به وتولّى التّدريس فيه بعده « أعيان الفقهاء وجلّة العلماء » ( فيما يلي 35 ) ، وكان الشّافعيّ يجلس للتّدريس بها كلّ يوم بعد صلاة الصّبح حتى وفاته سنة 204 ه / 809 م « 1 » . ويذكر ابن زولاق أنّه كان للفقهاء المالكيين في جامع عمرو ، سنة 326 ه / 938 م ، خمس عشرة حلقة ومثلها للشّافعيين ، بينما لم يكن لأصحاب أبي حنيفة سوى ثلاث حلقات « 2 » . وكان يحضر حلقة إمام المالكية في وقته أبي بكر النّعّال ، المتوفى سنة 380 ه / 990 م ، حشد كبير في الجامع العتيق ، حتى إنّها كانت تدور على سبعة عشر عمودا في الجامع « 3 » . وبلغت « حلقات » العلم في الجامع ، قرب نهاية القرن الرّابع الهجري / العاشر الميلادي ، مائة وعشرة مجالس ، كما في رواية المقدسي « 4 » . وكان جامع عمرو في أواسط القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ، وقت زيارة ناصر خسرو لمصر ، مكان اجتماع سكّان المدينة الكبيرة مصر - الفسطاط ، وكان المدرّسون والمقرئون يقيمون فيه ولم يكن عدد من فيه يقلّ في أي وقت عن خمسة آلاف من طلّاب العلم والغرباء والكتّاب الذين يحرّرون العقود وغيرها « 5 » . وشارك جامع ابن طولون الجامع العتيق النّشاط نفسه ، فقام الرّبيع بن سليمان الجيزي بإملاء الحديث في الجامع فور أن كمل بناؤه ( فيما يلي 60 ) . ولم يفقد المسجد الجامع أبدا مكانته التّعليمية ، حتى بعد انتشار المدارس ، فيذكر المقريزي أنّ السّلطان المنصور لاجين لمّا جدّد جامع ابن طولون ، سنة 696 ه / 1296 م ، رتّب فيه دروسا للفقه على المذاهب الأربعة ودرسا للتّفسير وآخر للحديث وثالثا للطّب ( فيما يلي 69 ) ، كما بلغت
--> ( 1 ) ياقوت : معجم الأدباء 17 : 304 ؛ السيوطي : حسن المحاضرة 1 : 304 . ( 2 ) ابن زولاق في ابن سعيد : المغرب في حلى المغرب ( قسم مصر ) 173 . ( 3 ) السيوطي : حسن المحاضرة 1 : 451 . ( 4 ) المقدسي : أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم 205 . ( 5 ) ناصر خسرو : سفرنامه 102 .